الشهيد القائد "عــوض القــيق".. رجل القلم والبندقية
2010-05-02   12:13

الإعلام الحربي – خاص:

 

هكذا يرسم العظماء طريق المجد والعودة.. بدمائهم وعظامهم وأشلائهم.. يجعلون من جماجمهم سلماً ترتقي من خلاله الأمة لتصل إلى علياء المجد والعزة والكرامة في مصاف الأمم والشعوب التي تحترم ذواتها وتجعل لنفسها مكانا على خارطة العالم.

 

فمن أين نبدأ يا أبا محمد سرد الحكاية الممتدة منذ ثلاثة عقود ونصف العقد، هي عمرك القصير الممتلئ تضحية وعظمة وفداء.. ثلاثة عقود ونصف فقط، استطعت من خلالها رسم انجازات تحتاج إلى عشرات العقود كي يتحقق بعضها.

 

ما أروعك أبا محمد وأنت تتنقل بين غرفة الدرس حيث تغرس العلم والمعرفة في نفوس طلابك، وبين مختبر صناعة الصواريخ التي فتكت وأرعبت ولا زالت ببني صهيون.. ما أروعك وأنت تمزج في إبداع منقطع النظير بين القلم والبندقية.. بين الكتاب والشظية.. ما أروعك وأنت تشق طريقك في الحياة بهدوء ودون ضجيج وتركت خلفك شعب بأكمله يعشق ابتسامتك التي لم تغادر محياك أبدا.. ومضيت في مسيرتك من أجل نصرة المظلومين في الأرض فقدمت كل ما تملك من اجل أن تحيا الأمة من بعدك.. فلم تدع لعينك مساحة للنوم.. ولا لجسدك فرصة للراحة.. وانت تعد العدة مع إخوانك المجاهدين لتحقيق أكبر قدر من الإيلام في صفوف بني صهيون... فعكفت على تطوير الصواريخ القدسية لتدك المغتصبات الصهيونية الجاثمة على أراضينا المحتلة ... فهنيئاً لك وأنت تغادرنا شهيداً مكللاً بالغار والعز والفخار.. هنيئاً لك وأنت الذاهب إلى ربك راضياً مرضيا بإذنه تعالى.

 

فلا تغيب صور الأبطال عن قاموسنا .. يمضون .. يتقدمون .. يبتسمون اشتياقاً للجنان .. لا يفهموا لغة الكلام .. يدفعهم الواجب المقدس نحو المضاء والفعل .. يهربون من عالم الكاميرات والإعلام ..تعرفهم حينما يغادرون هذا الضجيج و الزحام .. هذه سمات أبي محمد ..تميزت فيه البطولة .. وترسمت بخياله الشهادة فابتسم بسمته اللطيفة ومضى نحو جنات العلا .. لم تحرفه إغراءات دنيانا التي امتلكها بين يديه .. لم يثن عزمه دموع الأبوين والأخوات السبع بعد محاولة اغتياله الثانية .. الوالد الثمانيني كان دوماً يتابع خطواته خوفاً عليه .. سحب منه مفاتيح سيارته الخاصة وخبأها في مكان لا تصل الأيادي إليه.. ولا يرتاح باله إلا حين يراه.. أو يطمئن عليه عبر الهاتف النقال .. عوض القيق.. كان الواجب الإلهي يدفعه دفعاً بلا كلل أو ملل .. حين أذكر هيئته الجميلة وحرصه الشديد على الجهاد .. أتذكر بن رواحة رضي الله عنه ذلك الصحابي الجليل والرسول صلى الله عليه وسلم يبشره بالجنة ، فيصرخ مستبشراً : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل .. ومن أراد أن يشهد الصحابة فلينظر إلى أبي محمد في دينه وفي خلقه وصمته وجهاده .. جمع السجايا المحمدية كلها .. عينوه اصغر مديراً لمدرسة في وكالة الغوث .. جمع الشجاعة والذكاء والفطنة حتى خاف المسؤلون في الوكالة من اختراعاته البسيطة .. نختصر كلماتنا عن فارس جاء من عمق التاريخ شاهراً سيفه .. توقع الرحيل في كل لحظة ..وخوفه الكبير أن يغتالوه في غرفة الدرس بين تلاميذه .. وكما عاش وحيداً وفريداً غادرنا كذلك ، قال لصاحبه آخر لحظة : إنني مرهق ، أريد أن ارتاح قليلاً ، واتكأ على سجادة الصلاة التي صلى عليها العصر .. ما كان يدري أن راحته إلى الأبد .. ما كان يدري أن العدو لن تتركه وقد جندت عملائها ليتابعوه ، كان يقول لصاحبه : هنا وجدت نفسي لن تصلني عيون الغادرين، ولن تصلني أيادي المجرمين.. ليحمله بعدها صاروخ بسرعة البرق إلى جوار ربه في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

 

أبو محمد عوض القيق ، معلم بارع ومجاهد مخلص، أحبه كل من عرفه من أهل الأرض ، فأحبه أهل السماء واشتاقوا إليه، لذا ترجل الفارس على عجل ، غادرنا ولسان حاله يقول ويردد " وعجلت إليك ربي لترضى " ... هذا هو قدر قادة سرايا القدس، يختارهم ربهم وهم في قمة العطاء ، يرتحلون في عمر الشباب ، كما رحل معلمنا أبو ابراهيم وكل من رحلوا ، يختارهم ربنا من بيننا وكأنه يؤكد حبه لهم ورضاءه عنهم ، هم الذين يسلكون أوعر الطرق وأقصرها إلى الجنة ، يغادرونا في ريعان شبابهم ، ليغرسوا باستشهادهم فينا الحياة وليزرعوا في صحرائنا المقفرة الأمل.

 

ميلاد قائد

كان الشهيد عوض عبد الفتاح القيق " أبو محمد" (33عاماً) المولود بتاريخ 10/3/1975م في مخيم جباليا للاجئين لأسرة فلسطينية مؤمنة متواضعة الابن الوحيد بين خمسة بنات، بعدما فقدت أسرته شقيقه الوحيد من الذكور محمد شهيداً داخل الأراضي المحتلة..

 

وينحدر شهيدنا المجاهد من قرية "عراق سويدان" التي دمرتها العصابات الصهيونية قبل ستين عاما داخل أراضينا المحتلة، حيث عانت عائلته من رحلة التشرد والحرمان إلى أن استقر بها المقام في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة، بعد أن مكثت عدة سنوات في مخيم جباليا في شمال القطاع.

 

أصغر مدير

تلقى شهيدنا مراحل تعليمه الأساسي في مدراس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين بمخيم جباليا، فكان من الطلبة المتفوقين والمتميزين في كافة الأنشطة المدرسية الأمر الذي جعله محط إعجاب وتقدير لدى أساتذته وزملائه، قبل أن ينتقل وأسرته إلى العيش في مخيم رفح حيث أكمل هناك تعليمه الثانوي بتفوق، لينتقل بعدها إلى المرحلة الجامعية حيث التحق بقسم "الكيمياء والفيزياء" ليتخرج منه بتقدير عام امتياز، وسرعان ما التحق بعدها في مجال التدريس بمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين..

 

وما هي إلا سنوات قلائل حتى ارتقى شهيدنا المجاهد السلم الإداري في وظيفته الانسانية الرائعة، ليصبح وكيلا في مدرسة ابن سينا، قبل أن تختاره الوكالة ليصبح مديرا لمدرسة "هـ" الإعدادية حتى استشهاده.

 

وكان شهيدنا عوض قد تحمل عبء الحياة الأسرية مبكراً حيث تزوج وهو ما زال طالباً يكمل دراسته الجامعية نزولا عند رغبة أهله كونه الوحيد لهم، فرزقه الله أثناء دراسته الجامعية بالتوأم محمد، وميرونا، ثم أحمد، ومحمود ومريم التي لم تتجاوز بعد العامين ونصف من عمرها.

 

مسيرة التفوق

واصل شهيدنا أبو محمد مشوار التفوق والنجاح دون كلل أو ملل تاركاً بصماته في كل المجالات التي عمل بها، فكان نموذجاً فريداً للشاب المسلم المجاهد والطموح ذو الذكاء الخارق حيث قال زميله في مهنة التدريس أبو النور :" التحق الشهيد بمهنة التعليم مبكرا، وعمل اغلب فترات تدريسه مدرساً للعلوم في مدرسة (ابن سينا) الابتدائية, فكان نعم الزميل المعلم والمربي المحبوب من الجميع الذي لا يمل من حديثه وابتسامته التي كانت لا تفارق محياه".

 

وأضاف لم تتوقف رحلة الشهيد المجاهد عند هذا الحد فعمل في العديد من المؤسسات العلمية منها منتدى العلماء الصغار، حيث ساهم من خلالها في إنجاح العديد من التجارب العلمية، واشرف على العديد من الدورات العلمية في فرع تكنولوجيا المعلومات، كما شارك مع مجموعة من المعلمين في تشكيل منتدى المعلم الفلسطيني كأول إطار نقابي يجمع معلمو الحكومة والوكالة معاً، بهدف الدفاع عن حقوق المعلمين والارتقاء بمستوياتهم العلمية والأكاديمية وحتى المعيشية.

 

كما عمل شهيدنا بالإضافة إلى ما سبق مع جمعية التضامن الخيرية ومركز النور ومركز الإحسان الثقافي واليونيسيف ووكالة الغوث ضمن مشروع الارتقاء بالطالب.

 

رجل عظيم

الحاج عبد الفتاح القيق والد شهيدنا المجاهد "عوض" قال ": الحمد لله على هذا الاصطفاء والاختيار الرباني، لنجلي عوض، داعيا المولى عز وجل أن يعوضه ويعوض شعبنا خيرا منه.

 

وفيما يتعلق بصفات وأخلاق شهيدنا عوض قال والده الحاج "أبو محمد": لقد كان عوض مثالا يحتذى للشباب المسلم المجاهد والمثابر من أجل الآخرين، فلذلك كنت تراه مدرسا في النهار ومجاهدا في الليل، كما كان عطوفا بارا بوالديه رحيما بالضعفاء والمساكين والمحتاجين.

 

فيما تحدث " محمد" نجل الشهيد عوض اللحظات الأخيرة من حياة والده قائلا:" أن أحداً لم يكن يعرف بعمل والدي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وان غيابه لفترات طويلة كان رحمه الله يجد له مبرراً بحكم عمله في مجال التعليم والمؤسسات التعليمية".

 

وأوضح "محمد" ان عائلته تفاجأت بنشاط والده الشهيد في سرايا القدس وذلك بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها في شهر رمضان الماضي، الأمر الذي زاد خوفنا عليه و تعلقنا به، لكنه قدر الله الذي اصطفى والدي ليكون شهيدا.

 

وأشار أن والده الشهيد عوض حاول بعد اكتشاف سّر عمله في سرايا القدس إقناع زوجته وشقيقاته اللواتي تدخلنَّ لمنعه عن مواصلة عمله الجهادي بحكم انه شقيقهم الوحيد، بأنه ترك هذا العمل دون رجعة، غير أن عملية اغتياله الأخيرة كشفت عكس ذلك، مشيراً أن والده كان لديه إصرار كبير على مواصلة طريق ذات الشوكة مهما كلفه الأمر.

 

وكانت وكالة الغوث التي يعمل شهيدنا عوض في إحدى مؤسساتها التعليمية قد سارعت على قطع راتب الشهيد وحرمان ذويه من كافة مستحقاته المالية، بحجة نشاطه ضد قوات الاحتلال الصهيوني، وذلك في محاولة لإجبار كافة الموظفين في صفوفها إلى قطع علاقاتهم التنظيمية والجهادية ضد العدو الصهيوني، وفي هذا السياق تساءل محمد عن الجريمة التي ارتكبها والده لكي يحرم من مستحقاته وحقوقه على وكالة الغوث التي سارعت إلى قطع راتبه وحرمان أطفاله الصغار من كافة مستحقاته، مبيناً أن مقاومة الاحتلال الذي يمارس جرائمه ليل نهار بحق الأطفال والشيوخ والنساء، وسرقة الأرض والمقدسات أمام مسمع ومرأى العالم الصامت، حق مشروع كفلته كافة القوانين والشرائع السماوية.

 

وذكر محمد أن والده كان رجلاً عظيماً في كل مواقفه فقد كان لا يتوانى عن تقديم يد العون لكل سائل ومحروم، وان الكثير ممن ساعدهم والده جاءوا إلى بيت عزاءه، وتحدثوا عن أعماله التي ما كان أحداً يعلم بها في حياته.

 

وتابع محمد تلقينا نبأ استشهاد والدنا بحزن وغصة في القلب لكنها سرعان ما تبددت وتحول موكب جنازته إلى عرس حقيقي تعالت فيه أصوات التهليل والتكبير، وزغاريد النسوة، إضافة إلى مشاركة الآلاف في تشييع جثمان والدي وشاركت في عرس شهادته قد أزالت كل معاني الحزن وأسكنت في قلب الجميع الفرح والسرور، سائلاً المولى عز وجل أن يجمعه ووالده وكل أسرته في الفردوس الأعلى مع الشهداء و الصديقين وحسن أولئك رفيقا.

 

الطفلة مريم (عامين) كريمة الشهيد عوض قالت عند سؤالنا إياها عن والدها: بابا راح على الزنة في إشارة الى الجنة التي وعد الله بها عباده المجاهدين والمؤمنين الصادقين.

 

حياته الجهادية

قليلون من يعرفون حقيقة التحاق شهيدنا القائد عوض القيق بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، حيث تفاجأ الكثير عند سماعهم بنبأ استشهاده، فقد ظل الشهيد رحمه الله حريصاً على إخفاء عمله وانضمامه لحركة الجهاد الإسلامي حتى يوم استشهاده.

 

والحقيقة أن انضمام شهيدنا عوض إلى الخيار الأمل كان في سن مبكرة، وتحديدا خلال دراسته في المرحلة الثانوية العامة عندما التحق بالجماعة الإسلامية فكان احد المسئولين في الهيئة الطلابية، وظل متواصلاً مع الجماعة الإسلامية، حتى بعد التحاقه بجامعة الأزهر حيث كان مسئولا عن أنشطة الجماعة داخل الحرم الجامعي، فكان نعم الطالب المجتهد والمتفوق في دراسته والمتواصل جماهيرياً مع زملائه في الحركة الطلابية.

 

وكان إضافة إلى عمله في الجماعة الإسلامية لا يتوانى عن المشاركة الجادة في كافة أنشطة حركة الجهاد الإسلامي ولا سيما الدعوية والفكرية.

 

كما شارك شهيدنا بعد تخرجه من الجامعة وعمله كمدرس في إنشاء منتدى المعلم الفلسطيني الذي كان ولا زال له الدور الرائد والشمولي في الدفاع عن حقوق المعلمين وتحقيق الكثير من الانجازات.

 

عمله العسكري

أما فيما يتعلق بعمله العسكري فإن الكثير منها لا زال طي الكتمان، وما تسرب عن عمله الجهادي أنه كان أحد القادة الفنيين ومهندسي صواريخ سرايا القدس، والعاكفين على تطويرها، ويسجل له إشرافه على تخريج عشرات الدورات من مهندسي صواريخ سرايا القدس، والعبوات الناسفة، فيما لا تزال وحدة الهندسة والتصنيع في سرايا القدس تتحفظ على كشف العديد من الانجازات التي حققها الشهيد طوال فترة حياته.

 

هذا قد تعرض الشهيد لعدة محاولات اغتيال باءت معظمها بالفشل حتى صباح يوم الثلاثاء الموافق 30/4/2008م الذي ارتقت فيه روحه العلياء اثر استهدافه بصاروخين على الأقل أطلقتهم طائرة أباتشي صهيونية باتجاهه ما أدى إلى استشهاده ورفيقه المجاهد في سرايا القدس أسامة الهوبي الذي أصيب بجراح بالغة ارتقى على أثرها شهيدا بعد يومين من جريمة الاستهداف.

  

أبا محمد .. بوركت دماؤك..، وبوركت خطواتك..، وبورك خيارك.. وإلى اللقاء

 

التعليقات

كيف ترى فرص اشتعال انتفاضة ثالثة في ضوء فشل خيار المفاوضات ؟