الشهيد المجاهد "رامي مصطفى أبو بكر": كيف السبيل إلى جنانك.. هكذا هي سيرة العظماء

2003-01-13   18:04
سيرة الشهيد
الاعلام الحربي- خاص:
 
أمام بيوت كهذه تستوقفك حواسك... أنت مطالب بتقديم ولاء الطاعة لكل ما ستراه في الداخل... من يدري ماذا ستجد... عويل أم بكاء... هدوء أم نواح... انه بيت شهيد...
 
وصلنا إلى هذا البيت القروي الجميل على سفح تله تمتد تحتها المساحات الشاسعة من الربيع الذي أتى بشكل أجمل وبطريقة غير مبررة هذا العام، ما لهذه الأرض تسلك كافة الطرق لربطنا بها، ترتدي حلة أكثر إغراء لتسحرنا أكثر...
 
تلقي نظرة على المكان وكأنك تستحضر فيه بعض الصور أو لربما هي خيالات لأؤلئك الذين أتيت لأجل الحديث عنهم... كان هنا على هذه الأعشاب يلهو مع الصغار يوما، يتنقل من حقل لآخر...
 
لم تكن بحاجة لأحد يدلك إلى منزل «امي مصطفى أبو بكر» فهذه القرية الصغيرة الجنيد، أخذت على عاتقها تعريفك بحياة الشهيد وأبرز خصاله... وأن تسرد لك بطولاتها حتى إذا دخلت بيته كنت في حالة من الخفة لكأنك طرت بروحك بعيداً... بعيداً...
 
تنحت الرسميات جانباً... استقبلنا الأخ الأكبر لرامي بابتسامة عريضة وحق له أن يبتسم كانت أولى محطات بهجتنا... هذه الحالة التي تغادرك في بيوت العزاء... ولكنك مضطر لاستحضارها في بيوت التهاني، هكذا شعرنا تماماً... تذكرنا أننا يجب أن نقدم واجب العزاء... لا شيء هنا يدل على موت أو رحيل... الابتسامات والصور التي كانت «ولا أحلى زينة»...
 
من أين نبدأ، طلبنا الحديث مع تلك الأم... حدثينا عن حياته وطفولته عن ماذا سأحدثكم... رامي كان الأقرب إلى قلبي كان يحب الحياة، ابن بارّ يحبه الجميع ويشهد بأخلاقه العالية الرفيعة... متدين... توقفت قليلاً... فضلت أن تعود إلى سنوات عمر الشهيد القليلة...
 
«كان أغلى أولادي إلى قلبي... فهو الأحن بينهم ولا يعصي لي أمراً». تابعت: «كان الجميع يحبه لطيبته وتسامحه... مرح ودائم الابتسامة». عندها تدخل الشقيق الاكبر ليضيف «كان كتوما لا احد يعرف ما الذي يفكر به...».
 
وفي العودة إلى حياته الأولى... كان مزيج من كلام الشقيق الذي لم تفارق الابتسامة وجهه أثناء حديثه... وحسرة الفراق في كلام ألام...
ولد رامي في السابع عشر من حزيران العام 1979 في قرية الجنيد القريبة من مدينة نابلس، تعلم في مدارسها والتحق فيما بعد بمدارس المدينة ليكمل تعليمه الثانوي…شهد الانتفاضة الأولى ورغم صغر سنه «لم يتجاوز الثالثة عشر» إلا أنه كان يقوم بدوره يوزع البيانات ويعلق الملصقات... وكان التحول في انتفاضة الأقصى... عندما التحق بسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فأبدع..
 
وبسبب انتمائه طالبت الدولة العبرية برأسه وتضمنت قوائم الاغتيالات التي تتابعت الدولة العبرية على إصدارها اسم الشهيد... «رامي مصطفى محمد أبو بكر» اعتقل لدى السلطة مرتين في الانتفاضة كانت المرة الأولى في سبتمبر من العام 2001 والثانية في بداية العام 2002... عاش سنوات الانتفاضة مطارداً «منذ سنة لم ينم في البيت ولا مرة» قالت الأم... ابتسمت وكأنها تذكرت شيئا يستحق الذكر «كان يقول لي وحتى وأنت غير موجودة في البيت لا تغلقي الباب أبقيه مفتوحاً لأتمكن من اخذ ما يلزمني بسرعة وأعود إلى حيث مكاني...».
 
قبل الحادث
كيف كان في الأيام الأخيرة…كان هذا سؤالنا للوالده التي غرقت في لملمة كل خيوط حكاية ذلك الأسبوع الأخير لفقيدها... «كان كمن يودع في كل مرة يزورنا في البيت كنت اشعر انه يودعني في كل كلمة...» قالت... «قبل استشهاده بأسبوع دخل علي وقال لي... سأطلب منك طلبا... أريد أن تطلبي من أبي ان يخطب لي وحدد الفتاة التي يريدها…قلت له أنت يا ابني وضعك صعب وكيف يمكن أن تخطب، فرد علي هذا طلبي الأخير...». تابعت ألام «بالفعل تحدثنا إلى والده أقنعناه بطلبه... كان في كل يوم يعود ألي ليسأل عن طلبه ويردد على مسامعي أريد أن «أنتهي من هذا الموضوع استعجلوا في الطلب» ويوم استشهاده كانت الموافقة كان سعيداً لدرجة غريبة وحتى انه سارع إلى رفاقه ليباركوا له...».
 
وفي استذكار آخر تقول الأم... قبل استشهاده بثلاث أيام جاء عندي في المطبخ وقال لي سأقول لك شيئا ولكن لا تنزعجي... اسمي على قائمة الاغتيالات... فقلت له العمر بيد الله يا ابني... تابع يقول لي: من المحتمل أن يهدموا المنزل... فقلت له فداك ولا يهمك المهم سلامتكم... فقال لي لا تزعلي إذا استشهدت أطلب فقط منك أن تزغردي... وان توزعي الحلوى بيدك... كنت أقول له إن طلبك الأخير صعب والله ما بقدر فيلح علي بالطلب».
 
لملمته وهي لا تعرف انه ابنها
وماذا عن يوم الاستشهاد... كلمات ثقيلة على مسامع الأم التي عليها أن تستجمع شجاعة لتتحدث عن تلك اللحظات... فذلك الرجل الذي لم نعرف له اسما والذي رافقنا لمنزله قال عندما ادرك اننا نقصد ام الشهيد "رامي" الله يعينها لملمت أشلاء ابنها وهي لا تعرف انه هو... "ولنصل إلى تلك النقطة كان لا بد من سماع الحكاية... حكاية اليوم...
 
"في ذلك اليوم جاء إلى البيت وكان طبيعيا ولكنه كانت يتلفت في البيت كمن يودع كان يصل إلى الباب ليعود مرة أخرى..." قالت الأم: «جاءنا تلفون يقول لنا «هناك اقتحام فليغادر رامي المنطقة رامي في البيت... أنا كنت اصلي وسمعنا صوت قذائف وإطلاق نار كثيف قريب جدا ولأننا كنا قد تعودنا على ذلك لم نعر الأمر اهتماماً... على العكس طلبت من أبنائي أن يجلسوا في البيت»...
 
تتابع ألام: «تابعت الصلاة فإذا بابنتي تدخل علي وهي تصرخ رامي رامي... لم افهم أي شيء منها في البداية... ومن ثم تلقينا اتصالاً أن رامي قد استشهد وهو الآن في المستشفى وبالفعل ذهب أهالي البلد إلى المستشفى وبقينا في البيت لم يسمح لي أحدهم أن أذهب إلى المستشفى وبعد قليل تلقينا هاتف انه استشهد على الشارع المقابل للبيت فذهبنا هنالك...» صمتت الأم قليلاً ليكمل الأخ الذي قال مشيراً إلى المكان والذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن البيت «هناك كان قد استشهد».
 
تابعت ألام الحديث «ذهبت وأبنائي إلى المكان لم اعرفه في البداية كان نصفه العلوي قد تطاير عرفته من رجليه حاول الجميع إبعادي عن المكان حاولنا رفعه ولكننا لم تقدر فقد كان أشلاء وفي هذا الوقت حاصرت المكان قوة من الجيش حاولوا إبعادنا لأخذ الجثة إلا أننا اشتبكنا معهم ضربونا وحاولوا إبعادنا... عندها أغمي علي وعندما أفقت رأيت ابني الثاني "محمد" (21 عاماً) ينام على الأرض محاولا منع الجيب المرور على جثمان أخيه حاولت منعه فلا يمكن أن أفقد الاثنين في يوم واحد...». قالت «وبعد اشتباكات طويلة أخذنا الجثة ودفناها...».
 
وفي تفاصيل منفصلة عما قالته ألام عن الحادثة كانت عملية الاغتيال مدبرة من خلال إطلاق قذيفة دبابة عليه الأمر الذي حول جسده إلى أشلاء في الثالث عشر من كانون ثاني من هذا العام... طوت قصة خلود لقائد من سرايا القدس... ولكنها بالتأكيد لم تستطيع أن توقف تدفق من يأتي بعده.
 
بيان الشهيد

التعليقات